فخر الدين الرازي
372
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
ثم قال تعالى : أُولئِكَ الْأَحْزابُ وفيه أقوال الأول : أن هؤلاء الذين ذكرناهم من الأمم هم الذين تحزبوا على أنيائهم فأهلكناهم ، فكذلك نفعل بقومك ، لأنه تعالى بين بقوله : جُنْدٌ ما هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزابِ [ ص : 11 ] أن قوم محمد صلى اللّه عليه وسلّم جند من الأحزاب ، أي من جنس الأحزاب المتقدمين ، فلما ذكر أنه عامل الأحزاب المتقدمين بالإهلاك كان ذلك تخويفا شديدا لقوم محمد صلى اللّه عليه وسلّم الثاني : أن معنى قوله : أُولئِكَ الْأَحْزابُ مبالغة لوصفهم بالقوة والكثرة ، كما يقال فلان هو الرجل ، والمعنى أن حال أولئك الأحزاب مع كمال قوتهم لما كان هو الهلاك والبوار ، فكيف حال هؤلاء الضعفاء المساكين . واعلم أن هؤلاء الأقوام إن صدقوا بهذه الأخبار فهو تحذير ، وإن لم يصدقوا بها فهو تحذير أيضا ، لأن آثار هذه الوقائع باقية وهو يفيد الظن القوى فيحذرون ، ولأن ذكر ذلك على سبيل التكرير يوجب الحذر أيضا ، ثم قال إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقابِ أي كل هذه الطوائف لما كذبوا أنبياءهم في الترغيب والترهيب ، لا جرم نزل العقاب عليهم وإن كان ذلك بعد حين ، والمقصود منه زجر السامعين ، ثم بين تعالى أن هؤلاء المكذبين وإن تأخر هلاكهم فكأنه واقع بهم فقال : وَما يَنْظُرُ هؤُلاءِ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً ما لَها مِنْ فَواقٍ وفي تفسير هذه الصيحة قولان الأول : أن يكون المراد عذابا يفجؤهم ويجيئهم دفعة واحدة ، كما يقال صاح الزمان بهم إذا هلكوا قال الشاعر : صاح الزمان بآل برمك صيحة * خروا لشدتها على الأذقان ويشبه أن يكون أصل ذلك من الغارة إذا عافصت القوم فوقعت الصيحة فيهم ، ونظيره قوله تعالى : فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ [ يونس : 102 ] الآية والقول الثاني : أن هذه الصيحة هي صيحة النفخة الأولى في الصور ، كما قال تعالى في سورة يس : ما يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ [ يس : 49 ] والمعنى أنهم وإن لم يذوقوا عذابي في الدنيا فهو معد لهم يوم القيامة ، فكأنهم بذلك العذاب وقد جاءهم فجعلهم منتظرين لها على معنى قربها منهم ، كالرجل الذي ينتظر الشيء فهو ماد الطرف إليه يطمع كل ساعة في حضوره ، ثم إنه سبحانه وصف هذه الصيحة فقال : ما لَها مِنْ فَواقٍ قرأ حمزة والكسائي فَواقٍ بضم الفاء ، والباقون بفتحها ، قال الكسائي والفراء / وأبو عبيدة والأخفش : هما لغتان من فواق الناقة . وهو ما بين حلبتى الناقة وأصله من الرجوع ، يقال أفاق من مرضه ، أي رجع إلى الصحة ، فالزمان الحاصل بين الحلبتين لعود اللبن إلى الضرع يسمى فواقا بالفتح وبالضم ، كقولك قصاص الشعر وقصاصه ، قال الواحدي : والفواق والفواق اسمان من الإفاقة ، والإفاقة معناها الرجوع والسكون كإفاقة المريض ، إلا أن الفواق بالفتح يجوز أن يقام مقام المصدر ، والفواق بالضم اسم لذلك الزمان الذي يعود فيه اللبن إلى الضرع ، وروى الواحدي في البسيط عن أبي هريرة عن النبي صلى اللّه عليه وسلّم أنه قال في هذه الآية : « يأمر اللّه إسرافيل فينفخ نفخة الفزع ، قال فيمدها ويطولها » وهي التي يقول : ما لَها مِنْ فَواقٍ ثم قال الواحدي : وهذا يحتمل معنيين أحدهما : ما لها سكون والثاني : ما لها رجوع ، والمعنى ما تسكن تلك الصيحة ولا ترجع إلى السكون ، ويقال لكل من بقي على حالة واحدة ، إنه لا يفيق منه ولا يستفيق ، واللّه أعلم . قوله تعالى : وَقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسابِ * اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ .